يقدّم ديفيد هيرست، الشريك المؤسس ورئيس تحرير ميدل إيست آي، قراءةً لما يصفه بتحوّل سعودي كبير في الإقليم، يرى أنه يتغذّى من حرب غزة وما خلّفته من غضب وإحساس بالمهانة، ومن تصاعد التوتر مع الإمارات وإسرائيل.

 

ويضع الكاتب في قلب المشهد صوتاً سعودياً غير مألوف في العلن: الأكاديمي والكاتب د. أحمد التويجري، الذي نشر مقالاً شديد اللهجة ينتقد أبوظبي ويصفها بـ“حصان طروادة” لمشروع “إسرائيل الكبرى”.


شرخ سعودي إماراتي يخرج إلى السطح


يروي هيرست أن التويجري نشر تحليله عبر صحيفة قريبة من دوائر الحكم، ما جعل النص يبدو “مرخّصاً” سياسياً ولو بشكل غير مباشر، قبل أن يختفي سريعاً ثم يعود للظهور من جديد بقرار “من أعلى”. ويشير الكاتب إلى أن تل أبيب وواشنطن تحركتا سريعاً بعد النشر، وأن شبكات ضغط موالية لإسرائيل اتهمت التويجري بمعاداة السامية، بينما تعاملت جهات أميركية مع الواقعة كحادثة سياسية تتجاوز كاتباً منفرداً.


يفسّر التويجري موقفه، وفقاً للمقال، بوصفه اندفاعاً أخلاقياً لقول الحقيقة في “أزمة وطنية”، مؤكداً أنه لا يتحدث باسم الحكومة. لكن هيرست يلتقط من تفاصيل الحذف ثم الإعادة رسالةً أهم: الخلاف بين الرياض وأبوظبي لم يعد مجرد حساسية عابرة، بل صار أقرب إلى مسار استراتيجي يتراكم منذ سنوات ثم انفجر مع غزة.


من غزة إلى “تفتيت المنطقة”


ينقل المقال عن التويجري اعتقاداً بأن حجم العنف في غزة أقنع السعودية بأن أي “سلام” مع عقلية إسرائيل الحالية يصير وهماً، وأن الرياض، بوصفها “قلب العالم الإسلامي”، لا تستطيع تجاهل ما يجري أو تمريره بلا موقف. ويضيف هيرست أن هذا التحول يظهر رغم القيود الصارمة على التعبير داخل المملكة، حيث منع التظاهر المؤيد لفلسطين واعتُبر حتى التغريد عن غزة فعلاً غير مرغوب فيه.


ثم يوسّع الكاتب زاوية النظر: لا يرى التويجري أن “مجلس السلام” الذي يروّج له دونالد ترامب أكثر من خطوة لخفض الخسائر، بينما يعتقد أن إسرائيل تحاول استثمار تدمير غزة لفرض نفسها كقوة عسكرية مهيمنة في الإقليم، من سوريا ولبنان وصولاً إلى إيران.


وفي هذا السياق يستحضر هيرست أطروحات قديمة تُنسب إلى أوديد ينون حول تفكيك الدول العربية إلى كيانات طائفية وإثنية، ويربطها بتصريحات إسرائيلية حديثة عن التعاون مع الأقليات في سوريا مثل الأكراد والدروز. ويعرض المقال أيضاً أن مشروع “تفتيت سوريا” صار، وفق قراءة الكاتب، توجهاً إسرائيلياً أكثر علانية، رغم حديث أميركي داعم لوحدة سوريا.


شراكة تتهشم وصعود خيار تركيا والتهدئة مع إيران


ينتقل هيرست إلى شرح أسباب اهتزاز التحالف السعودي-الإماراتي. ينقل عن التويجري أن الرياض شعرت بأن أبوظبي تتصرف كدولة صغيرة بطموح نفوذ أكبر من حجمها، وأنها شاركت في اليمن ثم اتجهت إلى تشجيع تقسيمه بما يخدم مصالحها. ويمد الكاتب هذا الخط إلى السودان وصوماليلاند، مشيراً إلى اتهامات واسعة بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع في السودان، وإلى أدوار إماراتية في ترتيبات موانئ ونفوذ في القرن الأفريقي.


ويرى المقال أن لحظة “الانفصال” لم تأت فقط من خلافات شخصية بين القيادتين، بل من إحساس سعودي بأن هذا التحالف بات يهدد المصلحة الوطنية. وفي المقابل يلمّح هيرست إلى أن الرياض تميل أكثر إلى تركيا، وتتمسك كذلك بسياسة تهدئة مع إيران بدل دفع المنطقة إلى حرب شاملة.
لماذا تضغط الرياض لمنع الحرب على إيران؟


يركّز التويجري، كما يورد هيرست، على كلفة الحرب المحتملة على إيران، واصفاً طهران بأنها ليست “فنزويلا” وأن لديها أوراقاً قادرة على إشعال الإقليم: استهداف قواعد أميركية، تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ضربات أوسع قد تطال إسرائيل، وربما انعكاسات داخلية عبر أقليات شيعية في دول المنطقة. ويعتبر التويجري أن الحرب تخدم طرفاً واحداً أكثر من غيره: إسرائيل، “كدولة صغيرة بأفكار كبيرة” عن إعادة هندسة الشرق الأوسط.


ويختم هيرست بالإشارة إلى ضغوط أميركية مضادة، مثل تصريحات السيناتور ليندسي جراهام، التي يقرأها المقال كرسالة مباشرة للرياض كي تتوقف عن عرقلة التصعيد، بينما يدعو الكاتب واشنطن إلى الإصغاء للتحول السعودي بدل السير “خلف نتنياهو” نحو حرب جديدة.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/what-was-behind-ahmed-altuwaijris-unprecedented-scolding-uae